التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نائل البرغوثي.. مدرسة خلف القضبان


مدرسةخلف القضبان..هكذا نائل

أذكر يوم دخلت عليه سجن جنيد سنة ألف وتسعمائة وتسعين من القرن الماضي، كان قد أمضى من حكمه المؤبد اثنتي عشرة سنة وكنت محكوما بذات المدة التي قضاها .. تساءلت في قرارة نفسي كيف أمضى هذه المدة الطويلة خلف هذه الجدران البليدة القاسية؟ كيف احتمل صلف السجان الذي يكيل له ما لذ وطاب من صنوف الألم والمعاناة؟! كيف احتمل قلبه فراق الأحبة أو قل فراق الحرية لتشمل فراق كل جميل في هذه الحياة؟.

استقبلني بابتسامة جميلة أشرق لها قلبي ورفع بها معنوياتي إلى عنان السماء .. قرأ في عيني السؤال: كيف كان لك كل هذا الزمن الطويل صديقا حيث أرادوه أن يكون عدوا لك؟ أخذ بيدي إلى ما يشبه النافذة ومن خلف قضبانها الثخينة أشار لي إلى بيت جميل على سفح الجبل المقابل وقال: "أنظر غلى ذلك البيت، لقد رأيتهم عندما أحضروا المساح ليمسح الأرض ثم جاء قلاب البناء ليقلب الأيام مع نقلات الحصمة والناعمة والاسمنت.. ورأيتهم يعقدون البيت ثم رأيت زفة تدخل البيت عروسان ثم رأيت طفلا تحمله أمه ثم رأيته وهو يركض خلفها وبين يديها طفل آخر .. الحياة تمضي سريعة يا صديقي ولن تتوقف بدخولك السجن .. دورك في الحياة أيضا لا يتوقف .. ابحث لك عن دور يفيد الناس حتى وأنت خلف هذه الجدران.

ومضت الاثنتا عشرة سنة وكان نائل آخر من ودعني، وداعه الحار الذي ضخ فيّ شحنات عالية من روحه ثم كان له أن يضيف إلى قنطرة صبره وعطائه عشر سنوات ليفرج عنه في صفقة وفاء الأحرار .. أربع وثلاثون عاما!! هل ندرك حجم الألم الذي تجرعه نائل وهو متمترس في خندق المواجهة المباشرة مع عدو لئيم متفنن في قهر الرجال بما يملك من أدوات البطش والظلم .. نائل بما وقر في صدره وبعزيمة لا تلين نجح في المحافظة على روحه العالية وإرادته الصلبة وبقي ليس فقط متمسكا بصبره وصموده وإنما حافظ على بقائه مصدرا من مصادر الطاقة العالية لبقية الأسرى .. لم يلتزم برشه "سريره" محافظا على ذاته من الضياع أمام موجات الشر المتلاحقة وإنما كان جبلا راسخا وصخرة تتكسر عليها نصالهم .. وهذه حقيقة لا مبالغة فيها فكل من التقى بنائل استمد من روحه العالية طاقة ساعدته في السير قدما إلى الأمام ولقد كنت بفضل الله علي واحدا منهم .. كان من القلائل الذين ساهموا في شد أزري وشحني بالطاقة اللازمة لمتابعة الطريق ..

لم يترك الاحتلال بحقده اللامحدود لهذا الكهل الشاب أن يعيش حياته الطبيعية بعد أن تنفس نفسا من الحرية، فأعاده إلى خندق المواجهة المباشرة من جديد .. وهذا حسب نظرية نائل هو الوضع الطبيعي لشعب محتل .. الاعتقال وزج الأحرار في السجون هو دأب الاحتلال ومن يطمع بحياة من يحمل بطاقة الـ VIB فيستيقظ صباحا ليكحل عينيه في الجيب الفاره الذي يقف أمام بيته ، ليتجول به في ربوع الوطن يغدو ويروح إلى حيث شم النسيم العليل والبساط الأحمر المفروش له على الجسور بأسفار جميلة لا يعكر صفوها شيء .. هذه الحياة لا تنسجم مع وجود الاحتلال ولا مع روح نائل النقيض لهذا الاحتلال.

عاد نائل إلى السجن من جديد ليكمل عامه السابع والثلاثين فيه، وليحتفل بذكرى ميلاده الستين وهو يعلن أنه لن ينضم إلى جوقة من رضي الاحتلال عنهم ورضوا عنه .. سيبقى النقيض لهذا الاحتلال الغاشم .. هو رابعة النهار في وجه هذا الغسق الحالك فالنور والظلام لا ينسجمان أبدا .. نائل لم يتعاط السياسة في سوقها السوداء مذ كنا في سجن هدريم وحيث أقمنا منتدى هدريم السياسي وكان نائل عضوا فاعلا فيه كان على الدوام رافعا لراية فلسطين كل لا يتجزأ .. فلسطين من بحرها إلى نهرها .. وعندما كنا نناور ونفكر في التكتيك كان نائل يقول: ما خرّب بيت القضية إلا التكتيك ويذهب بنا إلى حفلة عدن الشهيرة "خلينا انبطّل تكتيك" .. وكنا عندما نجمل الموضوع ويبقى نائل متمسكا برأيه الشامخ يصرّ على وضع تحفظاته دون أدنى مواربة.

ويصر نائل على أن يكون خروجه من السجن كما دخل دون أن ينال منه السجان ويسجل عليه أية نقطة أو لحظة من لحظاته النقية .. يلتحم بالكتاب ويصادقه صداقة حميمة ويصر على البرامج الثقافية ويعتبر من يضعف فيها أو يتخلى عنها كمن يتخلى عن سلاحه وكان يدعو بكل قوة إلى الحياة العسكرية التي تعتبر الأسير مجاهدا وجنديا في ثورة ولا تروق له حياة فيها شيء من الرخاوة والميوعة فيقف ضد من يتوسع كثيرا في كنتينة أو تحميل الأهل فوق طاقتهم بإدخال مبالغ كبيرة أو ملابس تعفي السجان من تكاليف السجن بأي حال من الأحوال .

نائل شكل سدا منيعا أمام أي تداع أو انهيار في جبهة صراع الإرادات فهو إرادة حرة منيعة تستعصي على السجان وتجعل من الأسرى نخلة سامقة لا تقدر عليها سهامهم وصواريخهم، وقد نقول ذلك عن شخصية تقف بضع أيام و أشهر أو حتى سنين أما ونحن أمام شخصية تستمر على هذا التدفق لسبع وثلاثين سنة فإننا بالفعل أمام نهر لا ينقطع ماؤه ولا يجف عطاؤه .. هذا الرقم الصعب يشكل مدرسة خالدة بل كلية عسكرية لا نظير لها لا ماضيا ولا حاضرا . أنى لنا أن نقدِّر هذا الرقم حق قدره .. هل لنا أن نستوعب ذلك وحيث أني كاتب هذا المقال قد قضيت في السجون ثلث هذه المدة ولا أكاد أستوعب هذا الأمر.

أخيرا ونحن نشعر بأننا لا نعطي الرجل حقه مهما قلنا وكتبنا فقد آن الأوان أن يخرج من هذه السجون هو ومن معه من قلوبنا النابضة .. لا بد من جعله شخصية عالمية كرمز من رموز القضية الفلسطينية وكعنوان مركزي لملف الأسرى في السجون الصهيوينة .. لا بد من طرق كل الأبواب من أجل حريته خاصة البوابة المصرية التي كانت راعية لصفقة وفاء الأحرار. ومع كل مناسبة يجب أن يتصدر نائل مشهد هذه المناسبة .. وفي هذا السياق لنذكر أن نائل لا يقل شأنا عن نيلسون منديلا ولكن المختلف أن السياق هناك يختلف عن سياقنا الذي لا نعطي فيه لرجالنا أقدارهم ولا ننزلهم منازلهم ... آن الأوان لنائل البرغوثي في ميلاده الستين أن ننزله المنزلة التي تليق به وبسبع وثلاثين سنة من عمره في سجون هذا الاحتلال البغيض.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الاستغفار..مدونة الاديب وليد الهودلي

الاستغفار   هوالعنوان الذي يرفع هدف تحقيق المغفرة عاليا في حياتنا . بل ويعطيه الاولوية على كل الاهداف الاخرى . الاستغفار يرسخ في الاعماق بأن المغفرة شيء عظيم وفي غاية الاهمية . وهو كذلك جرس انذار مبكر اتجاه كل خلل أو تقصير في أداء أو حتى امام نجاح يأتي بدرجة ليست عالية . فهو رقابة ذاتية لاكتشاف كل هذا ثم التوجه نحو التقويم والتصحيح وهذا يقودنا نحو النماء والتطور والخلاص من حالة التراجع والتخلف .خاصة اذا انتقلنا من حالة الاستغفار الفردي الى الحالة الجماعية والمؤسساتية . وهذا هو مقصود الاية الكريمة التي حثت على الاستغفار الجماعي بما يعني تكريس روح المراقبة والتصويب بالطريقة الجماعية   . والجميل أن الايات رتبت على هذا الاستغفار الجماعي حالة من النماء الاقتصادي والرفاه الاجتماعي :( فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم باموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) فهل هو نتيجة للاستغفار ككلمة تقال على اللسان أم عندما يكون الاستغفار هو جرس الانذار الذي يشد الانتباه من الاعماق نحو تصويب الاخطاء وتحسين الاداء في كل شئون الحياة : الاقتصادية والاجتم...

أردوغان والممسحة لحذائه ؟!

مشادة بين اردوغان ونتنياهو  ما جرى بين أردوغان ونتنياهو ليس مجرد مشادة كلامية ، أو كنت تتوقع سيد نتنياهو أن يتحدث اردوغان عن حسّك الانساني المرهف وعن وجهك المبشر بالامن والسلام والزهر والعسل ؟ أو أنك تراه ممسحة لجرائمك كما فعل غيره من زعماء قبائل الاعراب فيفرشون لك قلوبهم وأرواحهم المهزومة لتكون لقدميك سجادا أحمرا تعبره الى حيث تريد   ؟ هل أغواك استقبال من رضوا أن يكونوا مماسح لحذائك فتطاول لسانك وضلّ عقلك فأصبح لا يميز بين قبس من عُمان أو قبس من أردوغان ؟ اطمئن واعلم أن أردوغان معدنه يختلف عن زعماء التنك .   عندما يردّ اردوغان على نتنياهو بهذه الكلمات " مستبد وصلف ويرأس دولة ارهابية " يقصد تماما ما يقول : هو يعطي التوصيف الدقيق ويرسم الصورة على حقيقتها دون اي تزييف ، بدل ما يقال انها واحة الديمقراطية في المنطقة وهذا يعني ان الذي يقودها جاء بطريقة ديمقراطية ليكون ديمقراطيا ، هكذا مجرد كذب صريح وافتراء سخيف ، فهذه الواحة الجميلة! هي احتلال مغتصب لارض لا حق له فيها ، يقيم حياته على حساب حياة أصحاب هذه الارض الاصليين ، ما هو الا وباء أصاب هذه الارض وأحالها الى قطعة من ا...

رسالة من أم الأسير نضال زلوم الى مصر العروبة والاحرار ( نبضات ساخنة 355 )

  رسالة من أم الأسير نضال زلوم الى مصر العروبة والاحرار أنا أم الأسير نضال زلوم حيث أطلق سراحه برعاية مصرية في صفقة وفاء الاحرار، بعد أن حفيت أقدامي وأنا أتنقل من سجن لآخر من سجون القهر والعذاب الصهيونية مدة ثلاث وعشرين سنة بالكمال والتمام، منّ الله علينا وعانقت ولدي الحبيب في فضاء الحرية بعيدا عن حجرات الزيارة وشباكها وزجاجها الذي يفصل الارواح عن الاجساد، وفرحنا فرحة لا يعلم حجمها الا الله حيث عانقت السماء بكل نجومها وزينتها أرضا اشتاقت طويلا لنسائم العزّة والحرية والكرامة، ولقد كنتم مصر العروبة حاديا لهذا العناق العظيم بين السماء والأرض، سقتم سحب الحريّة فروت ربوع فلسطين بأحرارها ورجالها الشجعان، ما من مدينة ولا قرية ولا مخيم الا كان له نصيب من طهر عروبتكم وجميل شهامتكم وأصالة نخوتكم ، وكان أن عانق ابني الحرية من بين ما يزيد عن الف تنسّموا عبق روح عروبتكم المجيدة العالية. بعد سنتين وبعد أن تزوج   وأنجب ابنتين حيث تنفّس قبسا من حياة عزيزة كريمة جاءته زبانية الاحتلال، كعادتهم ليس لهم الا أن ينقضّوا على سعادتنا ويعقروا العهد والميثاق وكل التفاهمات ، لم يرعوا فينا إلا ولا ذم...