التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة #الزواج_الميسر_بين_سعيد_بن_المسيب_وعقل_ربيع

تحفة الزواج -الميسر_بين_سعيد_بن_المسيب_وعقل_ربيع

ضرب العالم التابعي سعيد بن المسيب مثلا رائعا عندما زوّج ابنته من طالب فقير من طلابه بعد أن رفض تزويجها من ابن الخليفة هشام بن عبد الملك ، عقد الزواج عصرا ثم ذهب بابنته مساء شفقة منه على هذا الشاب أن يبيت ليلة واحدة دون زوجته التي أصبحت حلاله بعقد شرعي على سنة الله ورسوله ، تجاوز بذلك كل تعقيدات الافراح والليالي الملاح ، تهاوت كل الشكليات والطبوليات والبهرجات وولج بعمق الى روح الزواج وفلسفته العميقة في حياة الانسان ، النفس الواحدة التي خلق الله منها الذكر والانثى لا بد أن تتكامل في بيت الزوجية بسعادة وهناء ، ومن قال ان السعادة لا تتأتى الا من بوابات الجاه المزيفة وليالي الطرب الصاخبة والمهور التي تثقل كاهل خاطب الحسناء لتتحول الى سلعة غالية توزن بالدينار والدرهم ومثاقيل الذهب ، هذا العالم الفقيه بروحه العالية وبفهمه العميق للدين ونسجه الاجتماعي الحكيم يجسد حقيقة سماوية ويجعلها واقعا في حياة الناس : نقية جميلة صفية زاهية زكية ، خالية من شوائب ابتدعها الناس بأيديهم فصارت أغلالا وآصارا تكبل حياتهم وتحرف مراد الدين في الزواج واقامة لبنات المجتمع الصالحة عن مسارها الصحيح، ثم لتفقد روحها وتصبح كلّا على الناس .
وتبقى قصة سعيد بن المسيب في غياهب الكتب يعلوها الغبار وتدوسها عجلات الاعراس المتخمة بالشكليات ، تبقى مغيبة منسية والاعراس المنتشرة في عالمنا الاسلامي الواسع لا تلقي لها بالا ، بل تعمل بالعكس تماما ، تنفق الاموال الطائلة لتحقيق سعادة وهمية زائفة ، ويقلد الناس بعضهم بعضا بل يتسابقون في الاسراف والبذخ في إقامة صخب وضجيج وحشد جموع الناس ليشهدوا مساخر ومصارخ تصخ الاذان وتزعج الجيران ولا تجد فيها فنّا راقيا ولا معنى ساميا ، تجد ما يتخم البطون ويرهق العقول ويضرب عوالم القلوب والمشاعر بخليط من الصوتيات التي لا معنى لها ولا مبنى الا اللهم ما يهوي بالمستمع في واد سحيق ومنزلقات تدغدغ السفاهة والطيش وبلادة الحس ولا ترتفع عن "هزّي خصرك هزّي .. " .
وبقى المثل الذي ضربه لنا سعيد بن المسيب في عالم الكتب الى أن أتى رجل فبعثه من جديد ، شاعر مجيد ممتاز بشعر الحكمة وارتقاء الروح والعقل ، دوما يقدم ما تسمو به روحه على طبق الشعر الجميل الأخاذ النافذ المحرك لكل ما يمتلك القلب من مشاعر ، ما أن تتم قراءة بيت من أبياته الا وتقف مشدوها منبهرا متأملا متذوقا للغة عظيمة أعلاها مثمر وأدناها مغدق ، أنّا لرجل يمتلك كل هذا المخزون من كنوز اللغة والحكمة أن ينزلق في مهاوي العادات والتقاليد التي تهوي باصحابها الى حيث البداوة البشرية والمادية الحجرية الصنمية التي لا تفقه لغة الروح ولا تصل الى عمق الحياة الزوجية ؟
الاستاذ الشاعر الاديب عقل ربيع والذي هندس بيتا كما يهندس شعره الجميل ، ينتظم مع بنته وزوجته كبيت من أبيات شعره التي يحلق بها في عنان السماء ، يشترط مع العروس وأمها شروطا تتناسب مع مكانه ورفعة قدره ..
ويتهيؤ طالب يد العروس من طرف العريس الى شروط تتناسب مع هذا القدر الرفيع لهذه العائلة الكريمة ، وطالما أنه أجاز لنفسه أن يتقدم الى أصحاب المقام العالي فليتجهز لتلبية شروطهم ، فمن يطلب الحسناء لا يغله المهر ، والامر هذه الايام ليس للرجل فكم من رجال توقع منهم الناس مواقف الرجال ولكن رجولتهم خانتهم أمام متطلبات الجبهة الداخلية ، النساء هذه الايام على كلمة واحدة : " لسنا أقل قدرا من الناس " لا يقبلن بمهر أقل من مهر فلانة بنت فلان ، ولا أعراسا أقل بهرجة من أعراس دار فلان وعلان ، يطأطىء الرجل رأسه أمام طلبات جبهته الداخلية فيُنحّي رجولته جانبا ويتحدث بلسان تلك التي تقف خلف كل عظيم .
الكل علم وسمع بقصة عالم المدينة سعيد بن المسيب ولكنها مع مرور الايام أصبحت تحفة أثرية ، تنازلنا عنها بعد أن وعيناها جيدا ، هضمتها قلوبنا وعقولنا ولكن الواقع هضمنا وهضمها ، دارت بنا عجلة الواقع الذي سيطرت على رأسه تعاليم التخلف والسير بنا الى مجاهيل الادغال وحياة الطبل والمفرقعات وزركشة الكلام ونفاق المجتمعات وغواية صالونات قلب الاشكال ودور عارضات الازياء وعوالم الموضة التي أصبحت أمضى من عقول الرجال .
بيت الحكمة الذي انطلق من بيت شاعر الحكمة عقل ربيع انتظم بشروط خاصة فاجأت طالب يد العروس ومن معه من الرجال :
طالما أنا رضينا بالشاب دينا وخلقا فشروطنا هي التالية :
• لا نريد مهرا بقيمة مادية فمهر فتاتنا هو ما رضيناه في الشاب من خلق ودين .ويكفينا أننا من الذين يستظلون بحديث نبينا صلى الله عليه وسلم " أقلكن مهرا أكثركن بركة " .
• لا نريد جاهة وأن تأتوننا بربعكم وقضكم وقضيضكم ، جاهتكم عندنا هي سيرتكم وصورتكم الطيبة التي وصلتنا قبل حلولكم بدارنا .
• لا نريد قاعات ولا حفلات فحفلاتنا نقيمها في صدورنا بما يتحقق من قناعة ورضى عن هذا الزواج المبارك . لا حنّة ولا زفّة ولا فرقة ولا غداء ولا قاعات مغلقة ، فرحنا وسعادتنا هي عندما ننجز تطبيقا عمليا لحديث نبينا " يسّروا ولا تعسّروا " .
يكفي الشباب ارهاق وتعاسة جلبتها عليهم هذه الطقوس القاسية والعادات البالية ، لقد اجتمعت ظروف مريرة على شبابنا في ظل احتلال بغيض ، البطالة وغلاء المعيشة والرواتب المسحوقة لمن يجد وظيفة وكل ضغوطات التهجير لتفريغ البلد من شبابها ثم مع كل هذا غلاء المهور ، لقد دفعت كثيرا من الشباب للهجرة والزواج في بلاد الغربة وتركت بناتنا فريسة للعنوسة ، لقد بات من الضرورة بمكان أن يعاد نموذج سعيد بن المسيب للحياة من جديد .
لقد رأيت بأم عيني اليوم ما لا يصدق لو سمعنا به دون أن نراه ، هذا ما فعله ربيع عقل في زواج ابنته، عندما يُزهر العقل المسترشد بوحي السماء ويُنتج أفضل ما عنده فإنه يُخرج للناس ربيعا ، بالفعل لقد أحيى لنا نموذج سعيد بن المسيب من جديد ، قدّم فتاته على طبق من ذهب لاسير محرر قد تحققت به صفتي الخلق والدين ، دون أية تكاليف وعلى شروط التيسير التي طلبها ، والاجمل من هذا كله أنها قناعة مشتركة لهذا البيت الجميل ، ولقد لقيت طريقها في ارض الواقع لتكون مثالا حيا ومنارة عالية لمن أراد أن يكون من الاخيار، منعتقا من تقاليد بالية قد عفى الزمن عليها وأرهقت الناس .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الاستغفار..مدونة الاديب وليد الهودلي

الاستغفار   هوالعنوان الذي يرفع هدف تحقيق المغفرة عاليا في حياتنا . بل ويعطيه الاولوية على كل الاهداف الاخرى . الاستغفار يرسخ في الاعماق بأن المغفرة شيء عظيم وفي غاية الاهمية . وهو كذلك جرس انذار مبكر اتجاه كل خلل أو تقصير في أداء أو حتى امام نجاح يأتي بدرجة ليست عالية . فهو رقابة ذاتية لاكتشاف كل هذا ثم التوجه نحو التقويم والتصحيح وهذا يقودنا نحو النماء والتطور والخلاص من حالة التراجع والتخلف .خاصة اذا انتقلنا من حالة الاستغفار الفردي الى الحالة الجماعية والمؤسساتية . وهذا هو مقصود الاية الكريمة التي حثت على الاستغفار الجماعي بما يعني تكريس روح المراقبة والتصويب بالطريقة الجماعية   . والجميل أن الايات رتبت على هذا الاستغفار الجماعي حالة من النماء الاقتصادي والرفاه الاجتماعي :( فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم باموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) فهل هو نتيجة للاستغفار ككلمة تقال على اللسان أم عندما يكون الاستغفار هو جرس الانذار الذي يشد الانتباه من الاعماق نحو تصويب الاخطاء وتحسين الاداء في كل شئون الحياة : الاقتصادية والاجتم...

أردوغان والممسحة لحذائه ؟!

مشادة بين اردوغان ونتنياهو  ما جرى بين أردوغان ونتنياهو ليس مجرد مشادة كلامية ، أو كنت تتوقع سيد نتنياهو أن يتحدث اردوغان عن حسّك الانساني المرهف وعن وجهك المبشر بالامن والسلام والزهر والعسل ؟ أو أنك تراه ممسحة لجرائمك كما فعل غيره من زعماء قبائل الاعراب فيفرشون لك قلوبهم وأرواحهم المهزومة لتكون لقدميك سجادا أحمرا تعبره الى حيث تريد   ؟ هل أغواك استقبال من رضوا أن يكونوا مماسح لحذائك فتطاول لسانك وضلّ عقلك فأصبح لا يميز بين قبس من عُمان أو قبس من أردوغان ؟ اطمئن واعلم أن أردوغان معدنه يختلف عن زعماء التنك .   عندما يردّ اردوغان على نتنياهو بهذه الكلمات " مستبد وصلف ويرأس دولة ارهابية " يقصد تماما ما يقول : هو يعطي التوصيف الدقيق ويرسم الصورة على حقيقتها دون اي تزييف ، بدل ما يقال انها واحة الديمقراطية في المنطقة وهذا يعني ان الذي يقودها جاء بطريقة ديمقراطية ليكون ديمقراطيا ، هكذا مجرد كذب صريح وافتراء سخيف ، فهذه الواحة الجميلة! هي احتلال مغتصب لارض لا حق له فيها ، يقيم حياته على حساب حياة أصحاب هذه الارض الاصليين ، ما هو الا وباء أصاب هذه الارض وأحالها الى قطعة من ا...

الشهيد معتز حجازي عرف من اين تؤكل الكتف

من اين تؤكل الكتف  الشيخ معتز حجازي عرفته عندما كان جادا في سجنه : يا صاحبي السجن تعالوا نتتلمذ على آيات الرحمن .. تعالوا بنا نتدارس سورة الانفال وعندما وصل مع تلامذته الى قوله تعالى : " وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم " : غير ذات الشوكة أي القافلة والتجارة التي يسيطر عليها الجيش بسهولة او قل الحرب الاقتصادية التي تضعف اقتصاد الاعداء .. أما ذات الشوكة فهي المواجهة العسكرية : جيش مقابل جيش .. والهدف كسر شوكة الاعداء العسكرية والمسالة أصعب من كسر شوكة الاعداء الاقتصادية .. رغم أهمية الامرين : فالمقاطعة الاقتصادية" غير ذات الشوكة " واشكال المقاومة السلمية كما يسمونها هذه الايام مهمة ولكن الحرب العسكرية " ذات الشوكة " تبقى هي الاهم .. لانها هي التي تقطع دابر الكافرين كما عبر عنها القران : " وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين " ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون " .. توقف الشيخ معتز عن درسه وقال : وانا اخترت ذات الشوكة لذلك انا اليوم في السجن وأنتم كذلك .. فهل نواصل طريق ذات الشوكة بعد تحر...