التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ أحمد ياسين :شيخ الدعوة وشيخ السياسة ..

الشهيدالشيخ احمد ياسين       
   
هناك من يتقن الدعوة والتنظير الى الفكرة التي يؤمن بها ولكنه في معترك الواقع والولوج الى ميدان فن الممكن والسياسة وفق تقديراتها ومآلاتها وتقدير مصالح الناس وامكانات الوصول للاهداف واحالة الشعار الى حلول ونجاحات يجد نفسه في عالم أخر لا يتقن فنونه ، اطلاق الشعار لا يحتاج الا الى مهارة لغوية سجعية وصوت رنان ، بينما احالته الى أن يصبح واقعا ملموسا فيحتاج الى قيادة رشيدة حكيمة ذات خبرة غزيرة وتأهيل عال ، تجيد رسم الخطط والبرامج وقادرة على تسخير الامكانات وتوظيف القدرات والمثابرة والجلد ... الخ . كيف بنا اذا كانت المبادىء المطروحة والشعارات كبيرة لأنها سماوية تريد إقامة رسالة السماء في الارض في ظروف وملابسات قاسية وبالغة التعقيد ؟؟

واذا نظرنا الى معادلة الدين والسياسة فهناك من يملك ناصية العلم والفقه الديني العميق ، ولكن هذا غير كاف إذ لا بد من أن يكون رصيده واسعا في فهم الواقع وفك رموز تعقيداته والقدرة على التوصيف والتحليل والوصول الى التشخيص الموضوعي الصحيح  ، ثم بعد ذلك تأتي القدرة على تفعيل النص الديني في الواقع بطريقة ناجحة وموفقة دون تمحلّ أو ليٍّ لاعناق النصوص أو غلوّ أو تفريط ، وهذه لها متطلباتها والتي أهمها أن يتولد الاجتهاد من رحم الجهاد وأن يكون صاحبه عاملا لا متفرجا أو مراقبا للاحداث عن بعد ، ومن هنا ذهبوا في تفسير الاية الكريمة : " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين " . إن من مدلول كلمة نفر أنه خرج للجهاد وتعلم فقهه على محك التجربة العملية ، ومن هنا نرى كيف يُضلّل الافتاء الرسمي في السياسة إذ يضع الحاكم بين يدي المفتي معطيات نظرية لتسوقه الى افتاءات تأتي على مقاسه وحسب أهوائه ، الامر يحتاج الى أن يكون الحاكم عالما أو أن يكون العالم عاملا في الشأن السياسي حتى النخاع ليكون قادرا على الاجتهاد .
ثم يأتي بعد ذلك تراكم الخبرات والاستفادة منها ومن خبرات الاخرين والقدرة على مراجعة ما مضى تصويبا وتصحيحا والسير قدما بكل صدق وعلم وخبرة نحو تطوير التجربة وعدم تكرار الاخطاء ومراكمة المزيد من النجاحات والانجازات في معادلة يكون الدين فيها حاضرا بمبادئه الرشيدة ومقاصده العظيمة التي لا تحيد ابدا عن تحقيق مصالح الناس وسعادتهم ( ما أنزلنا عليك القران لتشقى ) بشكل فعلي تزيد العمل السياسي قدرة وارتقاء وفي نفس الوقت مرونة وحصافة ودهاءا  .
   أعتذر على هذه المقدمة الطويلة ولكن لا بد منها كي نرى المستوى العالي الذي حققه الشيخ في أدائه الدعوي والسياسي ، فلم يقف الشيخ عند دور المرشد الروحي ، لقد كان الشيخ داعية ورساليا يجيد ايصال رسالة السماء للناس بصورتها المشرقة وفي نفس الوقت يتقن فنون السياسة ويسير دروبها باحتراف وقوة وبراعة ، لقد تجاوز كل ما قلناه في دهاليزهذه المعادلة الصعبة ، نستطيع القول أن أبهى الصور وأعلاها احترافية قد تجلت في شخصية الشيخ أحمد ياسين ، إذا خاض في السياسة أصاب الدعوة واذا خاض في الدعوة أصاب السياسة ، وهذا ليس من باب الاشادة والتبجيل ولكنه من باب رصد حياة الشيخ التي تجلى فيها هذا على أفضل الصور الممكنة في واقع في غاية الصعوبة والتعقيد .
ولم يقتصر الشيخ في اتقان فنون هذه المعادلة على صعيده الشخصي على نمط كاريزمي استثنائي ، وانما نجح في احداث نقلة نوعية لحركة اشتد سوقها في عملية بناء منهجي لسنوات طويلة ، ولتخرج للناس حاملة على عاتقها مقاومة أعتى قوى الشر والاحتلال الذي فرض نفسه بقوة السلاح ومؤازرة أعتى قوى العالم ، هذه النقلة النوعية من واقع الدعوة للفكرة الى مقارعة ومقاومة جيش الاحتلال قادها الشيخ ، نجح في البناء في ظرف قاس وصعب ، لم يثنه الاعتقال الطويل وتغييبه عن الواقع في زنازين الاحتلال . اطلق سراحه في صفقة تبادل الاسرى عام 85 ثم اعيد للاعتقال مع بداية انتفاضة الحجارة ليواصل القيادة والتواصل من عمق زنزانته ، ولأنه نجح على صعيد بناء التنظيم المحكم ولم يعتمد على سلطته وقدراته الفردية فقد استمر العمل من خلال العمل الجماعي الذي نجح نجاحا باهرا في نسجه نسجا محكما فمع غياب القائد يستمر العمل وتتولد شخصيات قيادية على ذات النسق المبدع .
أعود للمعادلة الدين والسياسة أو الدعوة الحكيمة والسياسة الرشيدة ، وكان الشيخ بارعا على كل الجبهات فلم تسقط الجبهة الداخلية بانشغاله بجبهة مقاومة المحتل ، ولم تكن الاولى على حساب الثانية كذلك ، ربح الجبهتين في أحلك الظروف التي كانت تدفع الجبهة الداخلية نحو الاحتقان والصراع الداخلي بكل قوة ، إذ تقاسم القضية مشروعان ووجد على خلفيتهما من يشعل روح التعصب وتصعيد الصراع الداخلي ، مشروع قائم على التفاوض السلمي ومشروع قائم على المقاومة والسلاح ، اتفاق اوسلو قسم ظهر القضية وشرخ الصف الفلسطيني وكان بمثابة قارب النجاة للبعض ونكبة جديدة للبعض الاخر ، واحتدم الصراع الا أن وجود الشيخ كان بمثابة صمام الامان إذ نسج مع رئيس السلطة الفلسطينية حينها ياسر عرفات معادلة على الاقل تقي الفلسطينيين من الاقتتال وتبقي الامر في دائرة الاجتهاد السياسي والصراع مع المحتل ، وكأن الشيخ قد رأى ببصيرته أن اتفاق اوسلو يحمل فشله بداخله ، وكان يعرف تمام المعرفة أن صلف المحتل مهما خفّضنا سقفنا فلن يرضيه ذلك وسيمنع الفلسطيني من أدنى حقوقه ولو كانت نقيرا كما ورد في الاية الكريمة : ( أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس تقيرا ) ، وكان له من الاجتهاد والتصريحات التي تناور في مجال القبول المرحلي بالانسحاب الاسرائيلي من المناطق التي احتلت عام 67 ، وهو يعلم (كما كان يعلم عرفات ايضا ) أن هذا مستحيلا على العقل الاسرائيلي لان به فناء الفكرة الصهيونية التي بنوها على إدعائهم حقهم في فلسطين مبنيّ على اراضي ما يعرف عندهم "يهودا والسامرة" وهي الضفة ، فاذا انسحبوا منها فلا معنى لمشروعهم التلمودي على الساحل الفلسطيني . ولكنها المناورة السياسية في وقتها ومكانها الصحيحين ، وهذه من الامثلة التي تجلّى فيها الشيخ الداعية بعلمه الديني وقدرته السياسية العالية على المناورة الفذّة .
وكان للشيخ أن ترك لاتفاق أوسلو أن يموت على راحته دون أن يكون سببا لحرب داخلية ، لقد حافظ بامتياز على أن تبقى البوصلة بوجهتها الدائمة نحو الصراع مع المحتل ، ولم يكن هذا سهلا على قلبه والالاف من عناصر وقيادات حركته يعتقلون في السجون الفلسطينية ، يشبحون ويعذبون والشيخ متمسك ب : "صبرا آل ياسر " .
ولقد تجلى الشيخ بأعلى الكرامات الربانية عندما أطلق سراحه من حيث لا يحتسب أحد ، لم يكن يتوقع أحد أن يفرج عن الشيخ في افراجات التسوية ولم يكن هناك في الافق تبادل أسرى ، أذكر ذلك اليوم عندما أفقنا صباحا في سجن عسقلان والافق مغلق في وجوهنا وإذ بالاخبار تصدع بخبر محاولة اغتيال خالد مشعل ثم تتوالى بسرعة فاقت قدراتنا على التحليل بتبادل سريع يفضي بالافراج عن الشيخ من سجونهم ، يا لهول الخبر الذي يفوح شذاه بكرامة خص الله بها الشيخ ، وكانت للشيخ مع نشوة التحرر من السجن واسقبال الجماهير الفلسطينية له وفتح أبواب دول كثيرة له من العالم العربي والاسلامي ، فرصة قلب الطاولة على فريق اوسلو إلا أنه بقي على نفسه الطويل وقدرته العالية على الجمع بين المتناقضات المتنافرة ليجعلها ممكنة طيعة في خدمة مشروعه الكبير وهو الاستمرار في بناء مقاومة تستعصي على الاحتلال وتكون شوكة دائمة الى ان تتوفر مقومات المعركة الشاملة والنصر المبين ..
إذا هو شيخ السياسة الذي جمع ذلك مع شيخ الدعوة ليستمر في خط مشروع المقاومة التي أراد لها أن تنتصر ، لقد كان من السهل عليه أن ينتقم من المحتل دفعة واحدة وينتهي مشروعه سريعا أو أن ينزلق الى حرب أهلية تنهي مشروع القضية الفلسطينية برمته ، ولكنه أراد أن ينتصر ، الفرد يستطيع أن يغامر ولكن من يملك الرؤية الجماعية هذه والذي يحمل هذا المشروع العظيم في قلبه العظيم فإنه لا يحتمل المغامرة الخاسرة .. الشيخ بعلمه الواسع في الدين والسياسة يعرف حق المعرفة طريق الانتصار لذلك فان رؤيته الثاقبة والتي ترجمها الى أهداف ممكنة ومشروع قوي دائم العطاء والتقدم الى الامام ، هذه الرؤية لا تريد شيئا سوى الانتصار ، لا تريد سوى دحر الاحتلال ، هذه هي الجبهة الاساس وسواها من الجبهات خاصة الجبهة الداخلية يجب ان تصبّ جهدها باتجاه واحد هو جبهة الصراع مع المحتل .
لذلك فإننا اذا اردنا أن نستفيد من ذكراه ومن روحه التي ما زالت تسري في أرواحنا فلنحافظ على هذه المعادلة ، لنتقن التعامل الصحيح مع الدين والذي حتما يصب في صالح السياسة التي تنتصر ، ولنتقن فن السياسة الرشيدة وتوظيف الممكن لانه حتما ينسجم مع مقاصد الدين .. اننا بذلك نسير على ذاك النهج القويم واننا بذلك نسير قدما نحو تحقيق النصر المبين باذن الله دون أن تتعرقب أقدامنا على عوائق الطريق وننشغل في صراعات جانبية لا تصب الا في صالح هذا المحتل الذي لا يرى الفلسطيني الجيد الا الفلسطيني الميت .   

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدين والسياسة .. معالجات ضرورية .. الحلقة الاولى

معادلة الدين والسياسة ... معالجات ضرورية ... الحلقة الاولى   لا نجد هذه الأيام من يجمع بين الدين والسياسة بطريقة ناجحة فيستفيد من منافع الدين ومنافع السياسة إلا قليلا ، وذلك على مستوى الدولة أو الأحزاب والتنظيمات أو المؤسسات والجمعيات أو الأفراد .. هناك من اشتغل في السياسة والدين معا فأساء إلى إحداهما أو أساء إلى الاثنتين : وذلك أنه يطرح شعارات كبيرة ويزين كلامه السياسي بالنصوص الدينية دون أن يفقه دلالاتها ويسبر أغوار معانيها ويصل إلى تطبيقاتها وفق أصولها العميقة ومقاصدها الرشيدة .. يجيد إسناد ما وصل إليه من فهم بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة فيوحي للناس أنه بذلك قد أصاب الدين وأصاب السياسة معا وأنه بما وصل إليه من فهم إنما يطرح رأي الدين الذي لا يجوز مخالفته أو الخروج عليه بفهم آخر .. هذه طامة كبرى تقع فيها دول وتنظيمات وعلماء : نجد من الدول من تطرح نفسها بأنها دولة تدين بالإسلام والدين يشكل مرجعيتها في كل ما يصدر عنها ولا يجوز لأحد وهي بهذه الحالة الدينية ان يعارض أو يناقش . وأن أي خروج أو اعتراض إنما يشكل خروج واعتراض على الدين وبهذا تجيز الدولة لنفسها أن تقمع وتسجن وتق...

#صلاة الفجرالفلسطينية صفقة مع الله تردّ على #صفقة القرن ؟! ( نبضات ساخنة 312)

صلاة الفجر من ا لممكن اعتبار صلاة الفجر الفلسطينية بداية الرد على صفقة القرن المزعومة، وأول الغيث قطرة إذ ماذا لو تم تفعيل هذا التطبيق الرباني على شاشة قلوبنا بكل أبعاده الروحية والاجتماعية والسياسية والثقافية .. الخ ؟ • ففي صلاة الفجر اعلان طوعي ذاتي عميق قوي نقي صادق على اننا ننحاز الى الجماعة المؤمنة التي أنعم الله عليها من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ونتبرأ تبرأ تامّا من المغضوب عليهم والضالين وهم أطراف صفقة القرن اليوم، فالمغضوب عليهم ما جسّده اليهود اليوم في الحركة الصهيونية وهم الذين انحرفوا عن علم فهم اليوم يعلمون تماما أن لا حق لهم في فلسطين ومن أجل أن ينتحلوا هذا الحق وظفوا له الدين اليهودي وترّهات من مقولات العهد القديم ونسبتهم الى هذه الأرض، أما الضالين فهم كل من مالأهم وساندهم ووقف معهم عن جهل فوقع في عمى البصيرة وسار في ركابهم من أمريكان وغرب وأعراب. • صلاة الفجر الفلسطينية تحوّل عظيم في صراع الارادات، هذا الفلسطيني الذي يريدونه خادما أمينا في عجلة اقتصادهم وأمنهم وسياستهم ويتوّجون ذلك في صفقة ذليلة مهينة تؤدي الى قابلية الاستعمار والاستحمار الى درجة يطلب منه ...

معلمنا وصفعة الراتب ؟؟!!..مدونة الاديب وليد الهودلي

  معلمنا وصفعة الراتب ؟؟!!      في لحظة كونية حاسمة حيث نزول المطر مدرارا يعمّ الأراضي الفلسطينية، ومع لحظة تشهدها القضية الفلسطينية في مفصل جازم وقاطع حيث ينذر أسرانا ببركان الغضب والتحرّر من أنياب أعتى سجّان عرفته البشرية، أكتب لك معلمنا المسحوق، يا من استخفّ وليّ أمرك بك، وظنّك متسوّل على قارعة الطريق، ظنّوا بك أنّك صاحب وظيفة وطالب معيشة ترضى بالدنيّة وتغرق في صمت ظلمك المكبوت، تمشي الحيط الحيط وتقول يا ربّ رضينا سوء الحال وعجز الحيلة والمقال وانتظار حسن الختام مهما كان الحال والمآل. ويبقى معلمنا هو المعلّم الذي لا يرضى الدنيّة وينتفض على الظلم وما يراد له من سوء الأحوال وجرجرة اللئام، يعرف متى وكيف يقول لا، يصبر طويلا ولكنه ليس صبر العاجز الذليل وإنما الصبر الجميل الذي لا يدفعه للتنازل عن كرامته أو حقّه، صبر الكريم الذي يستنفذ كلّ الوسائل الطيبة اللطيفة ولكنه في ذات الوقت القويّ الأمين الذي يعرف كيف يصل الى حقّه ولو كان ذلك من فم الأسد وأنياب الذئاب وابتسامات الثعالب الماكرة. إذ لا يعقل أن يكون حال معلمنا هذا الحال وهو الذي نوكل اليه اقدس واعظم المهمّات، هو ...