التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عندما يبعث الاسير المؤبد من جديد

نضال زلوم عريسا .. C.V الاسير المؤبد نضال زلوم …

ولد نضال زلوم سنة 1989 عندما أراد أن يكون شهيدا .. جسّد نضال النضال حسب ما يراه مناسبا في ذاك الظرف الذي كان يستفز كل أصحاب الارادات الحرة ، فأخرج يده التي يبطش بها وشق طريقه بكل قوة وعنفوان نحو الشهادة .. أراد مقعد صدق وقراءة فاتحته على واحدة من الحور العين ليطيب له المقام هناك ، كان ذلك بعد أن دفع الثمن : وهو أن يشري نفسه من بارئها كتذكرة سفر لا بد منها حتى يحجز ذاك المقعد ..
نضال أراد الشهادة السريعة ، ولكن الله أراد له أن يبقى شهيدا على الدوام ، فيمارس هذه الشهادة بالقول والفعل والقيام بأعظم الادوار ، إنه دور الانسان الذي يحمل في قلبه أعظم الرسائل للناس .. لم ينته الامر عند العملية الفدائية الفذة التي قام بها ، دخل السجن ليكون فيه الداعية والمربي والامام والخطيب والمنشّط الثقافي عل مدار الاربع وعشرين ساعة ، لقد كان من المحسنين في إدارة الموارد البشرية بدءا بإدارة ذاته .. خارج السجن ينتهي النشاط بانتهاء الدوام بينما في السجن بقي نضال محركا ومنشطا ومشرفا إثنان وعشرين سنة وعلى مدار الساعة ، يبدأ دوامه اليومي إماما لصلاة الفجر ثم في الساعة الرياضية عند السابعة صباحا مدربا للرياضة ثم تجده وقد دقت ساعة الدرس مدرسا ومقرئا للقران ثم محاضرا في ندوة ثقافية ثم مفتيا ومجيبا لأسئلة التلامذة من الاسرى الجدد ومدرسا نحويا لطلاب اللغة ومحللا سياسيا لعشاق السياسية وإذا جن الليل قام في محراب الايمان ليصقل روحه بما لذ وطاب من معاني القران وليتذوق أزكى الثمر ممنّيا نفسه أن يلقي في الافئدة التي تنتظر في الغد شهد العسل ..
وهنا لا بد من التوقف عند هذين العقدين ونيف من الزمن إذ لا ينبغي مطلقا أن نمر عليها مرور الكرام ، هناك من الاسرى من تنطفىء جذوته وتهبط همته ويصبح همه كيف يخرج من معتقل اسمه الوقت وهناك من يكتفي بأجر الصبر على مرور زمن السجن الاسود كما سماه البعض وهذا لا شك بأنه عظيم خاصة إذا طال عليه الأمد وكانت الحبسة من النوع الثقيل .. لم يكن نضال من هذين النوعين وإنما كان همه وشغله الشاغل يتمركز في استثمار السجن ووقته على أفضل ما يكون ، إذ كان صديقا للزمن ولم يكن في نظره أسودا بل ناصع البياض أبلجا ونعمة لا غبن فيها أبدا ..
المؤهلات وميادين العمل :
كان أولى اهتماماته جبهة نفسه من حيث صقلها من الداخل وتهذيبها من خلال العبادة التي كان يطيل فيها القيام ، كان بمجاهدته الفريدة لنفسه تجعله يأخذها بالجد والمثابرة فكان رياضيا على صعيد تنمية قدراته الجسمية بما يتاح اليه من ساعة صباحية يتريّض فيها بكل ما أوتي من قوة ، وكان حاسما مع نومه فلا يطيله بغير حساب وانما ينظمه ليعطي كل واجب وقته بكل دقة واتقان .. وكان قارئا نهما لا يمر يوم الا وقد استثمر فيه عدة ساعات للقراءة .. وكانت قراءته متنوعة وعميقة : يحلق في آفاقها ويغوص في أعماقها ولم يكن خازنا للعلم بل محللا ومفكرا وكان يعتقد بأن السجن فرصة للتفقه : فقه الدين وفقه الحياة فيعمل عقله بأعلى طاقاته في كل مجالات الوعي والمعرفة .. وهكذا لم نكن نجد نضال في سجنه الا متعلما أو معلما أو عابدا أو متريّضا وقد أخذ إقباله على القران نصيبا وافرا من جهده ووقته ، لم يكتف بالحفظ وإنما قرأ التفسير فتدبر آياته وغاص في أعماقه .. وإذا علمنا بأن شهادته الجامعية في الاصل وقبل دخوله السجن هي في اللغة العربية فإننا ندرك الدرجة العلمية التي وصل اليها في فهمه للقران .. كل هذا الانصباب على هذه الميادين العظيمة التي تصقل النفوس وترتقي بها جعلت نضال يحلق عاليا ويرتفع بهذه السنين الطويلة التي استطاع بكل جدارة أن يحولها الى أعوام خير بدل كونها شؤما وعقابا وقتلا لأجمل سنوات العمر . كان نضال معتبرا من قلم الرصاص الذي يُبرى فيتألم ولكنه يحتمل الالم لانه يريد أن يكتب خطا جميلا ويريد أن يترك أثرا طيبا ينفع الناس وهكذا طال بريه في السجن ليعظم دوره داخل السجن وخارجه عندما تحين ساعة الفرج .
الخبرات والتحديات :
وكانت ثاني اهتماماته وتحدياته : السجان وسياسته اللئيمة إذ أدرك نضال منذ اللحظة الاولى لدخوله السجن ، هدف المحتل من زج الشباب في السجون والانقضاض على ذروة العطاء عندهم ، من خلال سلخهم عن زهرة سنوات شبابهم ونزع الروح النضالية أو قل الجهادية من أرواحهم ، فيتخرجون من السجون هياكل بشرية تسير بعيدا عن أرواحهم التي كانت تسكن تلك الهياكل في يوم من الايام .. أدرك نضال المعادلة وقرر أن يخرج كما دخل ، دخل نضال وسيخرج نضال ، بل عليه أن يزيد من نضاله نضالا لا أن ينقص ولكن كيف ؟ كانت الوسيلة أن يستثمر في ميادين الروح ليلج منها الى مصانع الارادة عند الوافدين اليه أفواجا .. حول السجن الى معهد يتعهد فيه من يأتيه ليتخرج وقد امتلأ علما ويقينا ونورا ونارا .. يحلق بأرواحهم عاليا في سماء سورة محمد ليستنشقوا عبير ( ذلك بأن الله مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم) فيدربهم على مهارة الانحياز الكامل الى الله . ويتفيأون ظلال الانفال والتوبة بكل ما فيها من روح عالية وليتعلموا فقه القوة والاعداد ابتداءا من اعداد النفس وتقوية دعائمها الداخلية ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) .. يدرسون سورة البقرة فيقفون على معالم شخصية بني اسرائيل ليعرفوا كيف تكون المواجهة وكيف يكون الحوار إن لزم مع تلك الشخية الملتوية من خلال موازين ربانية دقيقة ..
هكذا فتح نضال جبهته الثانية ليراكم خبرته في صناعة النفوس خاصة إذا علمنا أنه قد دخل أيضا ميدان التزكية ، فلم يكن معلّما بمعنى ناقلا للعلم فحسب بل كان معالجا لما يعتور النفوس من أمراض داخلية واختلالات نفسية وما أكثرها في عالم السجن الضيق .. نهل نضال من أمهات الكتب التي تتناول هذا الميدان وإذا علمنا أن منبته في الاصل كان نباتا حسنا ، حيث بيت العالم الازهري الشيخ عبد الرزاق زلوم فإننا ندرك كم كان لهذا من أثر في خبراته التي استثمرها خير استثمار في عالم السجن ..
ولم يكن العدو بعيدا عما يفعله نضال على هذه الجبهة لذلك كان يعزله عن الاسرى كلما شعروا بشدة خطره ،وبالمقابل كان نضال في عزله يزداد عمقا في سبر أغوار نفسه ليخرج كل لآلئها عملا بقول حكمة لابن عطاء : ما نفع قلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة .. يعود لنفسه ليزيد من قدراتها التزكوية حتى اذا عاد عاد بكفاءة أفضل في عملية الاصلاح وصقل النفوس .. احتاروا في أمره بين السجن والعزل .. تنقل بينهما طيلة حبسته كخبير يواكب الدورات التدريبية في ميدان تخصصه ..
دورات وتخصصات اضافية :
كان مكثرا من خيرات هذه الاية الكريمة التي كانت لا تغادر روحه ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ) تفقه طويلا في فقه النفوس وتزكيتها وفي فقه المحنة وكيف يحولها عمليا الى منحة ربانية خالصة وفي فقه الجهاد في أضيق الميادين وأقساها قهرا وفي فقه الامن وكيفية استخلاص الامان من بين رفث وأراجيف أعتى عتاة أعداء البشر وآصار وأغلال البشر وتمرس في فقه إدارة الوقت والطاقات والموارد المتاحة … لقد فقه فقه الحياة وجاءنا ليقود حياتنا الى أعز حياة وأكرم حياة وأجمل حياة فهل نفسح له المجال ونعظم له دوره بعد أن طال بريه ..
الحالة الاجتماعية : وكانت الخطبة الثانية في عالم الشهادة عندما أكرمه الله بعد تلك الانجازات التي حققها في عوالم السجون وبعد تلك الخبرات والدورات التدريبية التي أخذها وأعطاها أن أكرمه الله بفرحتين : فرحة الافراج عنه وفرحة عقد قرانه على إكرام أهدته اياها قرية كفر نعمة الشماء .. وكأن الاحسان الذي خرج من السجن على التو لا ينبغي له الا أن يقترن بالاكرام ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدين والسياسة .. معالجات ضرورية .. الحلقة الاولى

معادلة الدين والسياسة ... معالجات ضرورية ... الحلقة الاولى   لا نجد هذه الأيام من يجمع بين الدين والسياسة بطريقة ناجحة فيستفيد من منافع الدين ومنافع السياسة إلا قليلا ، وذلك على مستوى الدولة أو الأحزاب والتنظيمات أو المؤسسات والجمعيات أو الأفراد .. هناك من اشتغل في السياسة والدين معا فأساء إلى إحداهما أو أساء إلى الاثنتين : وذلك أنه يطرح شعارات كبيرة ويزين كلامه السياسي بالنصوص الدينية دون أن يفقه دلالاتها ويسبر أغوار معانيها ويصل إلى تطبيقاتها وفق أصولها العميقة ومقاصدها الرشيدة .. يجيد إسناد ما وصل إليه من فهم بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة فيوحي للناس أنه بذلك قد أصاب الدين وأصاب السياسة معا وأنه بما وصل إليه من فهم إنما يطرح رأي الدين الذي لا يجوز مخالفته أو الخروج عليه بفهم آخر .. هذه طامة كبرى تقع فيها دول وتنظيمات وعلماء : نجد من الدول من تطرح نفسها بأنها دولة تدين بالإسلام والدين يشكل مرجعيتها في كل ما يصدر عنها ولا يجوز لأحد وهي بهذه الحالة الدينية ان يعارض أو يناقش . وأن أي خروج أو اعتراض إنما يشكل خروج واعتراض على الدين وبهذا تجيز الدولة لنفسها أن تقمع وتسجن وتق...

#صلاة الفجرالفلسطينية صفقة مع الله تردّ على #صفقة القرن ؟! ( نبضات ساخنة 312)

صلاة الفجر من ا لممكن اعتبار صلاة الفجر الفلسطينية بداية الرد على صفقة القرن المزعومة، وأول الغيث قطرة إذ ماذا لو تم تفعيل هذا التطبيق الرباني على شاشة قلوبنا بكل أبعاده الروحية والاجتماعية والسياسية والثقافية .. الخ ؟ • ففي صلاة الفجر اعلان طوعي ذاتي عميق قوي نقي صادق على اننا ننحاز الى الجماعة المؤمنة التي أنعم الله عليها من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ونتبرأ تبرأ تامّا من المغضوب عليهم والضالين وهم أطراف صفقة القرن اليوم، فالمغضوب عليهم ما جسّده اليهود اليوم في الحركة الصهيونية وهم الذين انحرفوا عن علم فهم اليوم يعلمون تماما أن لا حق لهم في فلسطين ومن أجل أن ينتحلوا هذا الحق وظفوا له الدين اليهودي وترّهات من مقولات العهد القديم ونسبتهم الى هذه الأرض، أما الضالين فهم كل من مالأهم وساندهم ووقف معهم عن جهل فوقع في عمى البصيرة وسار في ركابهم من أمريكان وغرب وأعراب. • صلاة الفجر الفلسطينية تحوّل عظيم في صراع الارادات، هذا الفلسطيني الذي يريدونه خادما أمينا في عجلة اقتصادهم وأمنهم وسياستهم ويتوّجون ذلك في صفقة ذليلة مهينة تؤدي الى قابلية الاستعمار والاستحمار الى درجة يطلب منه ...

معلمنا وصفعة الراتب ؟؟!!..مدونة الاديب وليد الهودلي

  معلمنا وصفعة الراتب ؟؟!!      في لحظة كونية حاسمة حيث نزول المطر مدرارا يعمّ الأراضي الفلسطينية، ومع لحظة تشهدها القضية الفلسطينية في مفصل جازم وقاطع حيث ينذر أسرانا ببركان الغضب والتحرّر من أنياب أعتى سجّان عرفته البشرية، أكتب لك معلمنا المسحوق، يا من استخفّ وليّ أمرك بك، وظنّك متسوّل على قارعة الطريق، ظنّوا بك أنّك صاحب وظيفة وطالب معيشة ترضى بالدنيّة وتغرق في صمت ظلمك المكبوت، تمشي الحيط الحيط وتقول يا ربّ رضينا سوء الحال وعجز الحيلة والمقال وانتظار حسن الختام مهما كان الحال والمآل. ويبقى معلمنا هو المعلّم الذي لا يرضى الدنيّة وينتفض على الظلم وما يراد له من سوء الأحوال وجرجرة اللئام، يعرف متى وكيف يقول لا، يصبر طويلا ولكنه ليس صبر العاجز الذليل وإنما الصبر الجميل الذي لا يدفعه للتنازل عن كرامته أو حقّه، صبر الكريم الذي يستنفذ كلّ الوسائل الطيبة اللطيفة ولكنه في ذات الوقت القويّ الأمين الذي يعرف كيف يصل الى حقّه ولو كان ذلك من فم الأسد وأنياب الذئاب وابتسامات الثعالب الماكرة. إذ لا يعقل أن يكون حال معلمنا هذا الحال وهو الذي نوكل اليه اقدس واعظم المهمّات، هو ...